ابن عربي
368
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وهو الاسم الذي يتضمن الأسماء الإلهية التي تطلبها الأكوان كلها لاتساعه ، وهي أكثر من أن تحصى كثرة .
--> ولم يتول عن القتال ، فكأنهم قاربوا أن يتولوا بأجمعهم لولا أن اللّه اعتنى بالطائفة التي استثنى منهم ، قال : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » وعيد وتهديد ، وتحقيق أن اللّه يعلم ما يكون من الظالم من الظلم قبل وقوعه ، فأنطق اللّه بذلك نبيه عليه السلام ، وعرفنا اللّه بهذا كله تنبيها لنا وتذكرة لئلا نكون مثلهم فيما يأمرنا به سبحانه ، وتعزية للنبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وتثبيتا لفؤاده إن وقع منا في أمر اللّه ما وقع من هؤلاء ، قال تعالى : ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) ثم قال : ( 248 ) « وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً » يقول : لما سأل ملأ بني إسرائيل نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه عدوهم ، قيل أوحى اللّه إلى نبيه بقارورة فيها دهن مقدس ، فقال له ربه : إذا دخل عليك رجل فينشّ الدهن عند دخوله فذلك هو الملك الذي نبعثه لهم ، فدخل عليه طالوت يوما يرجو بركة دعائه في أن يرد اللّه عليه حمرا ضلت له ، فلما دخل نش الدهن في القارورة ، فدهنه به ، وكان رجلا دباغا حقيرا في قومه من سبط بنيامين ، ولم يكن في ذلك السبط نبوة ولا ملك ، وكان طالوت من أدنى بيت فيه ، وسمي طالوت لفضله عليهم في العلم والجسم من الطول وهو الفضل ، واسمه بالسريانية شانك بن قيس بن إنبال بن ضرار ابن يحرب بن أفثح بن إيش بن يامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ، فقال له شمويل : إن اللّه قد أمرني أن أبعثك ملكا لهؤلاء القوم تقاتل بهم عدوهم ، ودهنه بدهن القدس ، وأعلمه أن اللّه يوحي إليه إذا كان في مكان كذا وكذا ، ثم قال لقومه : « إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً » « قالُوا أَنَّى يَكُونُ » يقولون كيف يكون : « لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا » وليس هو من سبط فيه نبوة ولا ملك « وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ » يقولون وما له مال واسع يكون به ملكا « قالَ » 247 لهم نبيهم « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ » أي اختاره « عَلَيْكُمْ » يقول : يكون ملكا عليكم يملك أمركم « وَزادَهُ » عليكم « بَسْطَةً » أي اتساعا « فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » أي منظره عظيم حسن ، ومخبره مثل ذلك ، وأحسن الناس من عظم منظرا ومخبرا ، وقيل كان سقاء يستقي الماء على حمار له « وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ » يقول : الملك للّه سبحانه ليس لكم فيعطيه لمن يشاء من عباده ، قال تعالى : ( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) ثم قال : « وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » لما قالوا : ولم يؤت سعة من المال ، أخبرهم اللّه بأني واسع العطاء إذا شئت أغنيته بالمال ، وقوله : « عَلِيمٌ » في هذا الموضع ، يقول : عليم بمن يصلح من عبادي للنيابة عني في خلقي والتقدم عليهم ، ولما أخبرهم نبيهم بأن اللّه اصطفى عليهم طالوت بالملك ، قالوا : ما آية ذلك ؟